علي بن أبي الفتح الإربلي
210
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
وليس فيهما من تأخذه في اللَّه لومة لائم ، وهما أيضاً معصومان من ارتكاب القبائح كافّة والمداهنة والرياء والنفاق ، ولا يدعو الداعي لأحدهما إلى فعل ما يكون خارجاً عن حكم الشريعة ، ولا مخالفاً لمراد اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله ، وإذا كان الأمر كذلك فالإمام أفضل من المأموم ، لموضع ورود الشريعة المحمّدية بذلك ، بدليل قول النبيّ صلى الله عليه وآله : « يُؤمّ بالقوم أقرأهم ، فإن استووا فأعلمهم ، فإن استووا فأفقههم ، فإن استووا فأقدمهم هجرة ، فإن استووا فأصبحهم وجهاً » ، فلو علم الإمام أنّ عيسى عليه السلام أفضل منه لما جاز له أن يتقدّم عليه ؛ لإحكامه عِلمَ الشريعة ، ولموضع تنزيه اللَّه تعالى له من « 1 » ارتكاب كلّ مكروه ، وكذلك لو علم عيسى أنّه أفضل منه لما جاز له أن يقتدي به ؛ لموضع تنزيه اللَّه له من الرياء والنفاق والمحاباة ، بل لمّا تحقّق الإمام أنّه أعلم منه جاز له أن يتقدّم عليه ، وكذلك قد تحقّق عيسى أنّ الإمام أعلم منه ، فلذلك قدّمه وصلّى خلفه ، ولولا ذلك لم يسعه الاقتداء بالإمام ، فهذه درجة الفضل في الصلاة . ثمّ الجهاد هو « 2 » بذل النفس بين يدي من يرغب إلى اللَّه تعالى بذلك ، ولولا ذلك لم يصحّ لأحد جهاد بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولا بين يدي غيره ، والدليل على صحّة ما ذهبنا إليه قول اللَّه سبحانه وتعالى : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » « 3 » ، ولأنّ الإمام نائب الرسول في امّته ، ولا يسوغ لعيسى عليه السلام أن يتقدّم على الرسول ، فكذلك على نائبه . وممّا يؤيّد هذا القول ما رواه الحافظ أبو عبد اللَّه محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني في حديث طويل في نزول عيسى عليه السلام ، فمن ذلك : قالت أم شريك بنت أبي العَكر : يا رسول اللَّه ، فأين العربُ يومئذ ؟ قال « 4 » : « هم يومئذ قليل ، وجُلّهم
--> ( 1 ) ق ، ن : « عن » . ( 2 ) خ : « وهو » . ( 3 ) التوبة : 9 : 111 . ( 4 ) ن ، خ : « فقال » .